أفراحُ الروح

القراءةُ لسيد قطب أمرٌ إستثنائي ، وإن كنت تقرأ له “أفراح الروح ” فهذا يعني ببساطة أنك ستنتقل إلى حالة روحية إستثانئية.

الشيخُ الذي أُعدم لتمسكه بما إعتنقه طوال حياته كتب لأخته أمينة قائلا: لا حياة لفكرة لم تتقمص روح إنسان، ولم تصبح كائنا حيا دب على وجه الأرض في صورة -بشر!.. كذلك لا وجود لشخص في هذا المجال- لا تعمر قلبه فكرة يؤمن بها في حرارة وإخلاص…إن التفريق بين الفكرة والشخص كالتفريق بين الروح والجسد أو المعنى واللفظ،عملية – في بعض الأحيان- مستحيلة، وفي بعض الأحيان تحمل معنى التحلل والفناء!. كل فكرة عاشت قد اقتاتت قلب إنسان! أما الأفكار التى لم تطعم هذاالغذاء المقدس فقد ولدت ميتة ولم تدفع بالبشرية شبرا واحدا إلى الأمام !.”

وسيد وهو يكتب ذلك الخطاب الرقيق لأخته ليس ببعيد عن موته يتكلم عن الحياة أكثر مما يتكلم عن الموت ، يتكلم عنها فيقول : الحياة ليست شيئا آخر غير شعور الإنسان بالحياة . جرد أي إنسان من الشعور بحياته تجرده من الحياة ذاتها في معناها الحقيقي ! ومتى أحس الإنسان شعورا مضاعفا بحياته ، فقد عاش حياة مضاعفة فعلا …

وانت تغمض عينيك لتتذوق كلماته تشعر بصوتك يعبرك ببساطة :عندما نصل إلى مستوى معين من القدرة نحس أننا لا يعيبنا أن نطلب مساعدة الآخرين لنا ، حتى أولئك الذين هم أقل منا مقدرة “”

ثم تتابع عبر الصفحات كأن ترى الأحرف يخرج منها نور :ما أن نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس ، نجد أن هناك خيراً كثيراً ، قد لا تراه العيون أول وهلة ! …
لقد جربت ذلك . جربته مع الكثيرين … حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شريرون ، أو فقراء الشعور …شيء من العطف على أخطائهم وحماقاتهم ، شيء من الود الحقيقي لهم ، شيء من العناية – غير المتصنعة – باهتماماتهم وهمومهم … ثم ينكشف لك النبع الخيّر في نفوسهم ، حين يمنحونك حبهم ومودتهم وثقتهم ، في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك ، متى أعطيتهم إياه في صدق وصفاء وإخلاص .”

كم كنت رائعا يا سيد وأنت تهمسُ لنا :ليست الحياة بعدد السنين ولكنها بعدد المشاعر … لأن الحياة ليست شيئا آخر غير شعور الإنسان بالحياة.

وأخيرا لن أقول لكم إقرؤْوا أفراح الروح أعرف أنكم ستفعلون ، لكني أريد أن تقرؤْوه بطقوس إستتثنائية لأنه كتاب سيعلق بذاكرتم وأرواحكم كطيب أو عبير .

“عندما نعيش لذواتنا, تبدو الحياة قصيرة ضئيلة تبدأ من حيث نعى, وتنتهى بانتهاء عمرنا المحدود. أما عندما نعيش لغيرنا, أى عندما نعيش لفكرة, فإن الحياة تبدو طويلة , عميقة. تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض , إننا تربح أضغاف عمرنا الفردى فى هذه الحالة نربحها حقيقة لا وهماً” سيد قطب

أوانُ التغيير

لفترة طويلة إرتبط مفهوم التغيير لدي بالتغيير الشخصي ، التغيير في الأفكار وفي العادات والسلوكيات . وكان لدي إعتقاد جازم أن المرء يجب إلا يحاول تغيير الواقع من حوله دون أن يغير نفسه أولا. وكنت دائما ان أرى أن التغيير يجب أن يتم بالصورة الناعمة أو ما أُصطُلح عليه بالتغيير عن طريق القدوة. وهو أن تغير في حياة الآخرين عن طريق ضرب نموذج عملي عن أفكارك أو أي مبادئ تدعو إليها .

التأثيرُ في حياة الآخرين كان يأتي لدي في المرتية الثانية بعد تطوير الذات ، لكني بت إنتبه أن هذه العملية ،أي تطوير الذات،هي عملية مستمرة ودائمة. لن يأتي يومٌ نتوقف فيه عن إضافة أشياءٍ لشخصيتنا أو حذف أشياء ، سنستمر في عملية النمو الشخصي مادمنا نحيا ونتعلم ونمر بتجارب جديدة ونختير أحداثا مختلفة كل يوم.بينما في هذه الأثناء تطرأ في العالم من حولنا الكثير ُ من المستجدات و تمر بالمجتمعات والأوطان العديد ُ من الأزمات .أبسطُ من ذلك بكثير أن تمر حالات يحتاجن فيها أقرب الناس إلينا فلا يعقل أن نعجز أن نمد يد المساعدة بدعوي الإنكفاء على الذات وممارسة النقد الذاتي والتطوير الشخصي.

صرتُ الآن أكثر إقتناعا أنه من الاهمية بمكان الا ننتظر الوقت المناسب لنؤثر في حباة من حولها او نساهم في تحسين البيئة من حولنا ، عبر هذه العملية ربما نحظى بذلك الجزء المميز من الخبرة والنضج الشخصي الذي لا نستطيع أن نحصل عليه ونحن نضع أنفسنا في أبراج عاجية مستمتعين بعزلتنا الإختيارية. هذا بلا شك لا يعني أن أتخلى عن ممارس طقوس عزلتي المحببة لكني الآن سأحاول أن أقضي وقتا أكثر في محاولة الإنخراط في المجتمع الأصغر فالأكبر.
هذا يعني أن المدونة في عامها الثالث ستشهد تغيير جوهريا في رسالتها . فبدلا أن يكون تركيزها قاصرا بصورة أساسية على الجوانب الشخصية ستنتقل أيضا لتتناول الكثير من هموم التغيير في واقع الدوائر المحيطة بي إبتداءا من أصغر دائرة وحتى مستوى القضايا التي تهم العالم.

أرجو أن يكون قرارا موفقا ، أنتقل به بالمدونة إلى آفاق أرحب و أعم. أسهم به في أن تقوم بدور ريادي في صنع إرادة التغيير في مجتمعنا الإسلامي الذي بدأت أطرافه تتداعى لأجل أن نسترجع مكاننا في مصاف الأمم المتقدمة ، وأن نحقق الشروط التي نلها بها وصف “خير أمة أُخرجت للناس” بأن يضرب كل منا بسهم في هذا البناء العظيم وذلك الهدف المنشود.

لأعينكم التي تمر عبر هذه الحروف شكرا جزيلا مادمت تنيرُ هذه الضفاف

مدونتي في عام

جُهدٌ مقدر من الوورد بريس بإصدارها هذا التقرير الأنيق عن المدونة خلال العام الماضي أحببت أن أشارككم أياه.

فضلاً إضغط هنا لقراءة التقرير..مودتي.

نِهاياتٌ وبدايات

في حديثٍ لي مع صديق، تابعني مٌندهشا بشغفي بأشياء غريبة حسب ما رأى، منها على سبيل المثال : أداء الإمتحانات..”نعم” الإمتحاناااات”..ما قرأتموه هنا ليس خطأ مطبعيا مطلقا.

تعبر كلمة الشغف بحبنا لأداء نشاطٍ معين بصورة مستمرة، كما يعبر عن رغبتناالقوية في ممارسة هذا النشاط أو الفعل.أناسُ منا لهم شغف بهوايات كالرياضات المختلفة أو الإستمتاع بمشاهدة التلفاز أو الإستماع لموسيقي.أٌناس مهووسون بمتابعة المشاهير وتسقط أخبارهم وتفاصيل حياتهم كما أن آخرين يمكن أن يقضوا اليوم كله في نومٍٍ عميق بلا إنقطاع ! .بعضٌ منا قد يكونُ لديه شغف بالبحث،أخرون كلفون بالعلاقات الإجتماعية والإنخراط في نشاطات سياسية أو مجتمعية.كل هذه أشياء قد يكون الشغفُ بمارستها مقبولا ، لكن أن تكون مثلي شغٍفُ بأداء الإمتحانات بغض النظر عن ماهيتها أو نتيجتها، هذا هو الشيء الغريب.

شعورٌ ما يجذبني لتلك الساعات التي نقضيها متسمرين أمام ورقة ما،ربما هو إحساس التحدي في مواجهة أسئلة تنتهي بعلامة إستفهام،شعور الزهو بالعبور من أفخاخٍ الممتحٍنين، شعور التحفز لأجل الحفر في أعماق الذاكرة لأجل الخروج بكلمة أو رقم.

قد يتوقع الكثيرون العكس،أعني شعورا ما بالضيق بالتوتر بالخوف عن الجلوس لأداء الإمتحانات.لا أنكر تنتابني كل هذه المشاعر ، لكن المحصلة النهائية دوما تكون شعورا بالإرتياح بالإنجاز وأيضا بالخلاص.

الآن أود أن أحدثكم عن تجربتي في الإمتحان الذي حدثتكم عنه،إمتحان الآيلتس لقياس مهارات اللغة الأنجليزية الأريع والذي يؤُهل لدخول الجامعات التي تدرس باللغة الإنجليزية.هذا الإمتحان الذي ينظم عن طريق المجلس الثقافي البريطاني يضع تسع مستويات مختلفة لقياس طلاقة اللممتحن في اللغة الإنجليزية.

كنت قد عزمت على الجلوس لهذا الإمتحان منذ فترة طويلة لكن فقط في سبتمبر الماضي أخذت قرارا جديا بالجلوس لهذا الإمتحان بنهاية هذا العام. لا اخفيكم سرا أنني قد إخترت هذا العام بالذات لما يعنيه عمر الخامسة و العشرين أو عام المنتصف كما أحب أن أطلق عليه بالنسبة لي.وبما أني والحمد لله لم أحقق ما يستدعي الفخر خلال كل الأشهر الماضية،أصبح هذا الإمتحان ذو أهمية قصوى بالنسبة لي،جلست لهذا الإمتحان أول ديسمبر، وفقني الله الحمد الله وأحرزت نتيجة جيدة فيه مستندا على دعاء والدي وأصدقائي وبالتأكيد هذا الشغف الغريب بتجربة الإمتحانات ، ربما سأفرد مساحة منفصلة لأشارككم تجربة ما قبل و أثناء ويعد الإمتحان إنشاء الله المولى القدير.

على صعيد مختلف ،ويعد الكثير من الإستشارة والإستخارة قررت أخيرا أن أغير قليلا المجال الذي أعمل فيه، أن تغير مجالا ماإكتسبت فيه خبرة عامين لتبدأالعمل بمجال آخرا يعني الكثير من التروي والتفكير،كان القرارُ أيضا بالنسبة لي مهما خلال هذا العام بالذات ورغم ترددي المستمر خلال الفترة الماضية غير أني إستطعت أخيرا أن أحسم هذا الأمر قبل حلول العام الجديد.

الآن هذه هي التدوينةُ الأخيرة في هذه العام، هذا العام الذي مر بأسرع مما توقعت كان مليئا بالأحداث بالنسبة للمستوى الشخصي وأيضا على مستوى الأمة العربية والإسلامية التي تعيش ربيعها المستمر.كُنت سعيدا جدا أن أشهد موجات الربيعٍ الأُولى في مصر ، ورغم تحفظي على الكثير من الأحداث الجارية والتي لا تزال تجري لكنني أثق أن هذه الأمة مُقبلة على خير كثير.

كلمتي الأخير قبل حلول العام الثاني عشر بعد الألفية الثانية، كلمة شكر أهديها لكل من مر من هنا، قارئا صامتا أو معلقا، كلهم ساعدوا أن تظل هذه الصفحات نابضة بالحياة رغم تغيبي الكثير، وبهم أثق أن العام الجديد سيكون مليئا بالخبرات المشتركة والمتبادلة، لأن هذا المكان سيظل دوما، الفناء الخلفي لروحي حيث أستريح من هموم الدنيا ومصاعب السفر. شكرٌ خاص تقدمه هذه المدونة لصاحية عقد الجمان المدونة أمل شبلان لوقوفها المستمر إلى جانب المدونة،هذه الكاتبة التي أثق أنهاسيكون لها مكان بارز في عالم الأدب في القريب العاجل،خاصة وقد تلقف القراء كتابها الأول “جناح الليل” في معرض بيروت الدولي بترحيب كبير وهم يطالعون تلك الأماني التي تختبئ تحت جناح الليل لتقتات عليهاالطيور صباحا. “

إذا أمنياتي لكم بعام تجد كل أحلامكم فيه إلى أرض الواقع سبيلا ،عام تكتشفون فيه أنفسكم أكثر، وتكون فيه إلى أحبائكم أقرب، وبالتأكيد عام تقربون فيه المسافات من الله عز وجل ، وتجدون فيه أسباب مهمة لأن تعيشوا حياتكم بصورة أفضل.

إلى لقاء قريب

بعد الغياب

عُدتُ..عدت بعد غياب لم يكن مخططاوإنقطاع غير متعمد،إمتحانٌ ما كان يشغلُ ذهني ،لن أقول أنه مصيري ،فكثير من الأشياء التي نحملها هذه الصفة تعود لتأخذ مكانها كأي حدث عادي آخر في حياتنا بينما تلك التفاصيل الصغيرة تبدأ فجأة لتشكل معلما مهما ومنعطفا رئيسا في حياتنا.

تغييري لمكان عملي كان أيضا له أثرٌ على إطالة فترة الغياب ، إنا لا أتآلف ببساطة مع الأشياء كما لا أستطيع التخلص من رابطي بذات الأشياء حتى وإن إنتهت مدة صلاحيتها ، جهازي المحمول الأول ما زال عندي بعد أن لفظ أنفاسه الأخيرة منذ زمن، لم ألجأ لتغييره تبعا لل”موضة” كما يفعلُ الكثيرون، كذا هي علاقتي مع كل الأشياء التي بجانبي.

لأكون صريحا أيضا فإني لم أكن أملك الكثير لأقدمه لكم، أحسست أنني أدور في ذات المضمار منذ زمن ، إحتجت أن أقرأ وأتنفس بعض الهواء ال” مختلف”، إحتجت إن أرُاكم الشوقً للكتابة فإن ” الشوق ” كقوة دافعة كفيلُ بإخراج كل جواهرنا..وهو الشوق ما حملني للكتابة الآن.

المداومة على عمل ما بشكل رتيب ومستمر هو أحد التحديات الرئيسة التي أعاني منها وربما يعاني منها جيلنا كله ، نحن نفتقد هذه القدرة على الحفاظ على لهب الحماسة مشتعلا، ربمالأننا شيئا نفقد “دوافعنا” أو لأننا ببساطة ننساها مع إزدحام جدول العمل وطغيان تفاصيل الحياة اليومية. لذا أيضا إحتجت أن أراجع دوافعي الأولى التي لأجلها أكتب وإحتجت أن أشحذ منشاري من جديد كما يقول ستيفن كوفي صاحب ال”عادات السبع للناس الأكثر فعالية”.

الأيامُ الأخير للعام تنقضي بسرعة،تغرب شمسُه تاركة إيانا نضرب أخماسا في أسداس ، ماالذي إنجزناه خلال هذا العام، ولأني في هذا العام على وجه التحديد أتممت الخامسة والعشرين فإن هذه الأشهر كانت ذات معنى خاص بالنسبة لي.منتصفُ العمر بالذات يفاجئني وأنا أحاول أن ألملم شيئا من ركام الأحلام ورماد الذكريات، يتركني معلقا بين الماضي والمستقبل.أما الحاضر فهو يثير بشمل أكثر إلحاحا أسئلة تحتاج إجابات صارمة عن مدى إلتزامنابالسير على ذات الطريق الذي رسمناه لأنفسنا.العثراتُ كثيرة لكن بعد كل فشل يأتي وعدٌ بنجاح يحتاج المزيد من الجهد.

إحدى القيم الأساسية التي صاحبتني أيضا خلال الفترة الماضية تفكيري المستمر في العوامل التي تحدد شكل ذائقتنا العامة، ما نحب وما نكره،أعني بالنسبة للأشياء والأشخاص .وكيف أن هذه الذائقة قد تتغير فجأة أو تنقلب.أبسط مثال لذلك هو أنني لم أكن أحبُ إطلاقا ” الباذنجان” بينما يحتل الآن مكانا مميزا ضمن مفضلاتي، السبب؟ لا أعلم !

إذا هل تقبلون عذري ، وتغفرون لي الغياب..لكم العتبى حتى ترضوا

أحتاجُ لله

أحتاج لله

أحتاج له دوما، لكني أحتاجُ له( الآن) أكثر

أحتاج ل” طمأننية منه تغمرني فتطفأ سراج “توجسي”

لرحمة منه تنقذني،فتنير ظلام “وحشتي”

لقوة منه تأخذ بيدي الراجفة ولطف منه لأصمد وسط كل عاصفة

أحتاج ل حفظه وتوفيقه لأعبر تلك المتاريس الشائكة

ضعيفٌ أنا يا الله ، أعرف ..لكني.. أحبك يارب

أفلا يغفر لي… “حبي” ضعفي”

عيدي.. أنا

أو تحاولُ أن تتنفس صباح العيد دون أكسجين حقيقي

فقط بالتظاهر أن “كل عام وأنت بخير” تأتي بها رسالةٌ تحملها الأثير ستجعلك هذا العيد أفضل

فقط “الله ” يعلمُ ما بك

فقط هو يعلمُ كيف يشفيك

وأنت بلا “هو” بلا عيد

يتلفت قلبك عله يعثر به صدفة بين زحام المباركين بالعيد

لكنه لم يجيئ

وأطفالٌ هناك عاليهم ثياب العيد يقفزون بفرح

يجعلونك توقن أنه كلما مضى من عمرك عام نقص فرحك بالعيد بمقدار ما ينوء كاهلك بحمل الأيام

لكن اليومَ يوم أكلٍ وشرب وفرح

اليومُ يوم تكبير وتهليل وشكر

فاشكر القدير أن رئتيك ما زالتا تستوعبان هذا الهواء، لعل فرحا ما بين طيات الأيام يسابق الأيام كي يصافح مقلتيك

ولعل منحنى الأيام يتغير قريبا لتصبح الأمور كلها بخير

عيدكم..فرح

من الروائع(2)

قرأتها أول مرة عندما كنتُ في الخامسة عشر في مجلة العربي فأحسست عندها بقشعريرة وأنا أقرأ قصيدة يتيمة لشاعر مات بحسرته على زوجته التي فارقها لأجل طلب الرزق .

تركها في “بغداد” مهاجرا إلى الأندلس قبلة الناس في ذلك العهد ،ورغم تمسكها به يوم الرحيل إلا أنه أصر على المضي قدما على أمل رجوع سريع، وكان الوداع الذي لم يكن بعده لقاء، وكان الغياب ،لم يحظ الشاعر بما سافر لأجله وداهمته في البعد أوجاع شتى زادته سقما على سقم ،ومرت لياليه الأخيرة على فراش المرض في الغربة بين الحمى والوحدة .وفي ساعاته الأخيرة ذات ليلة حزينة كتب هذه الأبيات على ورقة وجدت تحت فراشه صباح اليوم التالي مبللة بأدمعه وقد فارقت روحه جسده.

منذ ذلك الوقت وأنا أقرأ “لأبن زريق البغدادي”وهذا هو الإسم الوحيد الذي عرف به،أقرأ له كلما إحتجت أن أخلو مع نفسي أرددها بذات لحنها الأول الذي أنشدتها به مع نفسي منذ عقد من الزمان ،أحببت اليوم أن أشارككم بها في الروائع فأرجو أن تجد مكانا ما في قلوبكم

لا تَعذَلِيه فَإِنَّ العَذلَ يُولِعُهُ……… قَد قَلتِ حَقاً وَلَكِن لَيسَ يَسمَعُهُ

جاوَزتِ فِي نصحه حَداً أَضَرَّبِهِ ……..مِن حَيثَ قَدرتِ أَنَّ النصح يَنفَعُهُ

قَد كانَ مُضطَلَعاً بِالخَطبِ يَحمِلُهُ ……فَضُيَّقَت بِخُطُوبِ الدهرِ أَضلُعُهُ

يَكفِيهِ مِن لَوعَةِ التَشتِيتِ أَنَّ لَهُ ………مِنَ النَوى كُلَّ يَومٍ ما يُروعُهُ

ما آبَ مِن سَفَرٍ إِلّا وَأَزعَجَهُ…… رَأيُ إِلى سَفَرٍ بِالعَزمِ يَزمَعُهُ

كَأَنَّما هُوَ فِي حِلِّ وَمُرتحلٍ ………مُوَكَّلٍ بِفَضاءِ اللَهِ يَذرَعُهُ

تأبى المطامعُ إلا أن تُجَشّمه….. للرزق كداً وكم ممن يودعُهُ

وَما مُجاهَدَةُ الإِنسانِ تَوصِلُهُ ….رزقَاً وَلادَعَةُ الإِنسانِ تَقطَعُهُ

قَد وَزَّع اللَهُ بَينَ الخَلقِ رزقَهُمُ لَم يَخلُق اللَهُ مِن خَلقٍ يُضَيِّعُهُ

لَكِنَّهُم كُلِّفُوا حِرصاً فلَستَ تَرى مُستَرزِقاً وَسِوى الغاياتِ تُقنُعُهُ

وَالدهرُ يُعطِي الفَتى مِن حَيثُ يَمنَعُه… إِرثاً وَيَمنَعُهُ مِن حَيثِ يُطمِعُهُ

اِستَودِعُ اللَهَ فِي بَغدادَ لِي قَمَراً….. بِالكَرخِ مِن فَلَكِ الأَزرارَ مَطلَعُهُ

وَدَّعتُهُ وَبوُدّي لَو يُوَدِّعُنِي……. صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي لا أَودعُهُ

وَكَم تَشبَّثَ بي يَومَ الرَحيلِ ضُحَىً……. وَأَدمُعِي مُستَهِلّاتٍ وَأَدمُعُهُ

لا أَكُذبُ اللَهَ ثوبُ الصَبرِ مُنخَرقٌ….. عَنّي بِفُرقَتِهِ لَكِن أَرَقِّعُهُ

إِنّي أَوَسِّعُ عُذري فِي جَنايَتِهِ…… بِالبينِ عِنهُ وَجُرمي لا يُوَسِّعُهُ

رُزِقتُ مُلكاً فَلَم أَحسِن سِياسَتَهُ …..وَكُلُّ مَن لا يُسُوسُ المُلكَ يَخلَعُهُ

وَمَن غَدا لابِساً ثَوبَ النَعِيم……. بِلا شَكرٍ عَلَيهِ فَإِنَّ اللَهَ يَنزَعُهُ

كَم قائِلٍ لِي ذُقتُ البَينَ قُلتُ لَهُ…. الذَنبُ وَاللَهِ ذَنبي لَستُ أَدفَعُهُ

أَلا أَقمتَ فَكانَ الرُشدُ أَجمَعُهُ…. لَو أَنَّنِي يَومَ بانَ الرُشدُ اتبَعُهُ

إِنّي لَأَقطَعُ أيّامِي وَأنفقُها …بِحَسرَةٍ مِنهُ فِي قَلبِي تُقَطِّعُهُ

بِمَن إِذا هَجَعَ النُوّامُ بِتُّ لَهُ… بِلَوعَةٍ مِنهُ لَيلى لَستُ أَهجَعُهُ

لا يَطمِئنُّ لِجَنبي مَضجَعُ وَكَذا…. لا يَطمَئِنُّ لَهُ مُذ بِنتُ مَضجَعُهُ

ما كُنتُ أَحسَبُ أَنَّ الدهرَ يَفجَعُنِي… بِهِ وَلا أَنَّ بِي الأَيّامَ تَفجعُهُ

حَتّى جَرى البَينُ فِيما بَينَنا بِيَدٍ….. عَسراءَ تَمنَعُنِي حَظّي وَتَمنَعُهُ

قَد كُنتُ مِن رَيبِ دهرِي جازِعاً فَرِقاً…. فَلَم أَوقَّ الَّذي قَد كُنتُ أَجزَعُهُ

بِاللَهِ يا مَنزِلَ العَيشِ الَّذي دَرَست …..آثارُهُ وَعَفَت مُذ بِنتُ أَربُعُهُ

هَل الزَمانُ مَعِيدُ فِيكَ لَذَّتُنا….. أَم اللَيالِي الَّتي أَمضَتهُ تُرجِعُهُ

فِي ذِمَّةِ اللَهِ مِن أَصبَحَت مَنزلَهُ …….وَجادَ غَيثٌ عَلى مَغناكَ يُمرِعُهُ

مَن عِندَهُ لِي عَهدُ لا يُضيّعُهُ …..كَما لَهُ عَهدُ صِدقٍ لا أُضَيِّعُهُ

وَمَن يُصَدِّعُ قَلبي ذِكرَهُ …وَإِذا جَرى عَلى قَلبِهِ ذِكري يُصَدِّعُهُ

لَأَصبِرَنَّ على دهر لا يُمَتِّعُنِي بِهِ.. وَلا بِيَ فِي حالٍ يُمَتِّعُهُ

عِلماً بِأَنَّ اِصطِباري مُعقِبُ فَرَجاً… فَأَضيَقُ الأَمرِ إِن فَكَّرتَ أَوسَعُهُ

عَسى اللَيالي الَّتي أَضنَت بِفُرقَتَنا… جِسمي سَتَجمَعُنِي يَوماً وَتَجمَعُهُ

وَإِن تُغِلُّ أَحَدَاً مِنّا مَنيَّتَهُ ….فَما الَّذي بِقَضاءِ اللَهِ يَصنَعُهُ

سَفر..

لحنٌ هندي قديم يتسلل إلى إذنيك من مذياع السيارة التي تقطع الفلاة وما أروعه ،تفتح النافذة قليلا ليضرب وجهك هواء الليل البارد، تنظر إلى النجوم البعيدة، تمعن في الفضاء السرمدي اللامنتهي، القمر المتواري خلف سُحب بعيدة تسعيد ذكرى قديمة، لكنك تنتفض وأحد أبناء عمومتك يقول :
-محمد، إذا ما رأيك ؟
-هه ؟ ماذا قلت؟
……………
تستمع للحديث عما حدث طوال هذا اليوم، الرحلة إلى “شندي” لحضور عقد القران ، لقاء الأهل والغروب على النيل ، تبتسم لنكتة ألقاها أحدهم على اللون البني المحروق لجلباب توشحت به هذ اليوم ، رائع ٌ هذا الدفء الذي نشعر به حينما تحس بالإنتماء ، إلى هؤلاء الأربعة الذين تحتويهم سيارة وتربطهم أواصر الدم ووشائج المودة ، حينما ترتد ذاكرتك إلى المنزل الكبير الذي قضيت به هذا النهار
بيتٌ مترامي الأطراف كالقصر ، تفوح من جوانبه رائحة التاريخ وعبق الذكريات ، تكاد تلمح جدك ” أحمد” بإبتسامته الحانية ونظرته الوقورة يخطر في المكان ، جدك الذي لم تلتق به أبدا، لكنك سمعت في أحلامك كالصدى صوته المهيب ، تتجول في الغرف الواسعة والفضاء ، كأنك ترحل عبر الزمن إلى الماضي الجميل والزمان الأول ، كأنك تلتقي بأطياف الذين مروا من هنا وسُجلت آثارهم على دفتر الأيام
هنا قضى والدك صباه ، وهنا رتع بين أقرانه ، وهناك قريبا جدا من المكان ، على جانب النيل ، ترى الشجرة التي روى لك عنها قصة “محمد المجتبى ” الذي سميت بإسمه ..فآه ٍمن الذكريات
تتنهد بصوت مسموع ، فيلتفتون لك ،
-ماذا هناك ؟
-لاشيئ ..فقط، أعتقد أنني بحاجة إلى كوب من الشاي
-بحق السماء، أين يمكن أن نجد مقهى ً مثل هذا الوقت ؟
نشير مبتسما
-هناك
يلتفت الجميع بإندهاش إلى المقهى الذي ظهر ، حيث توقفت قربه شاحنات وسيارات ، يتمتم أحدهم :
أي مجنون قد يفتح مقهاه حتى الساعة الثالثة صباحا ؟

تتجهون إلى المقهى العامر برواد آخر الليل ، السائقون الذين يفحصون سيارتهم العملاقة ، بعضُ من الساهرين المتحلقين حول تلفاز بصوت وبدون صورة ، تطلبون القهوة والشاي بال”سكر ” الزيادة رغم أنف الرجيم

تبتعد عن الآخرين قليلا لتمارس عادتك الأثيرة في كل سفر منذ كنت في العاشرة ، تكتب على الرمل بأناملك ما لن يقرأه غيرك ، تنثر بعض أسرارك وتسجل على سفر الصحراء صدى عبورك السريع

تبدأون الرحلة من جديد ، رحلة العودة بعد إثني عشرة ساعة فقط كانت كافية لتوقظ روحك من سبات وتأجج دواخلك الشوق إلى مداد ، لتكتب، عنهم ، أولئك الذين مروا دون أن يجدوا من يكتب عنهم ، عن أحلامهم وكفاحهم عن أفراحهم وأحزانهم ، عن حبهم لنا ، نحن الذين كنا بظهر الغيب ، جدي أعدك…سأكتب
غدٍ يعرف عنّا القادمون في
أيَّ حُبٍ قد حَمَلْناه لَهُمْ
في غدٍ يحسبُ منهم حاسبون
كم أيادٍ أُسلفت منا لهم
في غدٍ يحكون عن أنّاتنا
وعن الآلام في أبياتنا
وعن الجُرحِ الذي غنّى لهم
كل جُرحٍ في حنايانا يهون
حين يغدو رايةً تبدو لهمْ

أبيات من قصيدة نحن والردى لصلاح إبراهيم

بين الكتابة لك..وعنك

والكتابة لك رهق، وجع جميل وعبثٌ مؤلم..

الكتابة لك داء..مرض مزمن ومستفحل..لكن
الكتابة عنك دواء قصير الأمد ومؤقت

الكتابة حد ذاتها عندي هدف، لكنها حينما تكون لك تمسي وسيلة،أثير بها دهشتك وأثبت بها تفوقي عليك، فقط عند الكتابة أشعر أنني أقوى منك..وفقط على الورق أشعر أنني أمتلك زمام الأمور بعدما كنت فقدته للأبد في زحام تيهي بك

والكتابة أداة طيعة،هادئة ومسالمة، لكن الكتابة لك ثورةبركان ، طوفان بحر،عصف رعود وزمهرير شتاء ، الكتابة لك دوما مختلفة

الكتابة يقين ..والكتابة عنك شك

الكتابة أمان والكتابة لك خوف

الكتابة راحة..والكتابة عنك أرق

الكتابة حد ذاتها بحث عن حقيقة ضائعة، ربما بين الكلمات أو خلف الأحرف أو بين طيات المعاني، لكن الكتابة لك هروب،هروب من الحقيقة ذاتها مادامت الحقيقة تكشفني بهذا القدر أمامك، الكتابة لك دوما مختلفة

متى أكتب لك ؟ لا أعرف بأي توقيت أمارس هذا التوق السري إلى أحرف تلامس عينيك ، أحيانا يغريني ستر الليل بفضح هذي الأحرف التي تتخذ من الليل متنفسا وأحيانا يوقظني لاشيئ فجرا فقط كي أشرب كوب ماء ثم أحتسي خيبتي حبرا على ورق وأكتب فالكتابة لك دوما مختلفة

أكتب لك ظهرا فلا ملاذ لي من نار الشمس إلا جنة الكتابة لك ،وأكتب لك عند الغروب، تعرف أنت كم أعشقُ الغروب والمطر، هل تعرف فعلا ؟ لست أدري، إن كنت تذكر بالمناسبة ماهو لوني المفضل ؟

شيئ مؤكد عن الكتابة لك، أنا لا أكتب لك وأنا سعيد ،لا أكتب لك وأنا بحال جيدة، عموما عندوما أكون بخير أنا لا أكتب، لذا إن كتبت لك فإعرف إنني لست على ما يرام، لكن لا ترتكب خطأ و تخلط بين الأشياء، إن كتبت “عنك” فهذا يعني أنني بخير تماما ، بخير لدرجة أنني قررت أن أجازف وأكتب عنك ،تعرف أنا لا أفعل ذلك إلا نادرا…فالكتابة عنك مخاطرة..لا أقدم عليها عن وعي

أكتب لك شعرا، أنا للأسف لا أكنب شعرا إلا حين أكتب لك ، لذا فالآخرون يظنوني خطأً شبهُ شاعر ،مساكين ، لا يعرفون أن قريحتي لا تنجب إلا إن كنت إنت ملهمها،ولا يدركوني أن القوافي تضع شرطا مبدأيا أن تكون أنت محورها ، على كل حال أنا كففت عن كتابة الشعر منذ مدة، لا حظت أنني أموت ببطأ حينما أرتكب حماقة البوح لك شعرا..أفضل الآن أن أتلقى لكمة من “جون سينا ” على أن إستبق الموت بالكتابة عنك

حسنا يكفي الآن..فالفجر يوشك أن يؤذن وأنا يجب ان أكتب رسالة أخرى..لك

لمن يقرأون بصمت..شكرا لهذا العطر الجميل الذي تيعثه أرواكم ،شكرا لهذا الضجيج الجميل الذي تصدره خطاكم وأنت تعبرون همسا

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.